عبد الرحمن بن ناصر السعدي
699
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
جنس المحال ، أن يكون شاعرا ؛ لأنه رشيد مهتد ، والشعراء غاوون ، يتبعهم الغاوون . ولأن الله تعالى ، حسم جميع الشبه ، التي يتعلق بها الضالون ، عن رسوله . فحسم أن يكون يكتب أو يقرأ ، وأخبر أنه ما علمه الشعر ، وما ينبغي له * ( إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ) * أي : ما هذا الذي جاء به إلا ذكر يتذكر به أولو الألباب ، جميع المطالب الدينية ، فهو مشتمل عليها ، أتم اشتمال وهو يذكر العقول ، ما ركز الله في فطرها من الأمر بكل حسن ، والنهي عن كل قبيح . * ( وقرآن مبين ) * أي : مبين لما يطلب بيانه . ولهذا حذف المعمول ، ليدل على أنه مبين لجميع الحق ، بأدلته التفصيلية ، والإجمالية ، والباطل وأدلة بطلانه ، وأنزله الله كذلك على رسوله . * ( أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون * ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون ) * * ( لينذر من كان حيا ) * أي : حي القلب واعيه ، فهو الذي يزكو على هذا القرآن . وهو الذي يزداد من العلم منه والعمل ، ويكون القرآن لقلبه ، بمنزلة المطر للأرض الطيبة الزاكية . * ( ويحق القول على الكافرين ) * لأنهم قامت عليهم به حجة الله ، وانقطع احتجاجهم ، فلم يبق لهم أدنى عذر وشبهة يدلون بها . يأمر تعالى العباد بالنظر إلى ما سخر لهم من الأنعام وذللها ، وجعلهم مالكين لها ، مطاوعة لهم في كل أمر يريدونه منها ، وأنه جعل لهم فيها منافع كثيرة من حملهم ، وحمل أثقالهم ، ومحاملهم ، وأمتعتهم ، من محل إلى محل ، ومن أكلهم منها ، وفيها دفء ، ومن أوبارها وأصوافها وأشعارها وأثاثا ومتاعا إلى حين . وفيها زينة وجمال ، وغير ذلك من المنافع المشاهدة منها . * ( أفلا يشكرون ) * الله تعالى الذي أنعم بهذه النعم ، ويخلصون له العبادة ولا يتمتعون بها تمتعا خاليا من العبرة والفكرة . * ( واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون ) * هذا بيان لبطلان آلهة المشركين ، التي اتخذوها مع الله تعالى ، ورجوا نصرها وشفعها ( أي : شفاعتها ووساطتها بينهم وبين الله ) . فإنها في غاية العجز * ( لا يستطيعون نصرهم ) * ولا أنفسهم ينصرون . فإذا كانوا لا يستطيعون نصرهم ، فكيف ينصرونهم ؟ والنصر له شرطان : الاستطاعة ، والقدرة . فإذا استطاع ، يبقى ، هل يريد نصرة من عبده أم لا ؟ فنفي الاستطاعة ، ينفي الأمرين كليهما . * ( وهم لهم جند محضرون ) * أي : محضرون هم وهم في العذاب ، ومتبرىء بعضهم من بعض . أفلا تبرأوا في الدنيا من عبادة هؤلاء ، وأخلصوا العبادة ، للذي بيده الملك والنفع والضر ، والعطاء والمنع ، وهو الولي النصير ؟ * ( فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ) * أي : فلا يحزنك ، يا أيها الرسول ، قول المكذبين ، والمراد بالقول : ما دل عليه السياق ، كل قول يقدحون به في الرسول ، أو فيما جاء به . أي : فلا تشغل قلبك بالحزن عليهم * ( إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون ) * فنجازيهم على حسب علمنا بهم ، وإلا فقولهم لا يضرك شيئا . * ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين * وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم * الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون * أول يس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم * إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ) * وهذه الآيات الكريمات ، فيها ، ذكر شبهة منكري البعث ، والجواب عنها بأتم جواب ، وأحسنه ، وأوضحه ، فقال تعالى : * ( أو لم ير الإنسان ) * المنكر للبعث أو الشاك فيه ، أمرا يفيده اليقين التام بوقوعه وهو : * ( أنا خلقناه ) * ابتداء * ( من نطفة ) * ثم تنقله في الأطوار شيئا فشيئا ، حتى كبر وشب ، وتم عقله ، واستتب . * ( فإذا هو خصيم مبين ) * بعد أن كان ابتداء خلقه من نطفة . فلينظر التفاوت بين هاتين الحالتين ، واليعلم أن الذي أنشأه من العدم ، قادر على أن يعيده بعدما تفرق وتمزق ، من باب أولى . * ( وضرب لنا مثلا ) * لا ينبغي لأحد أن يضربه ، وهو قياس قدره الخالق بقدره المخلوق ، وأن الأمر المستبعد على قدرة المخلوق ، مستبعد على قدرة الخالق . فسر هذا المثل بقوله : * ( قال ) * ذلك الإنسان * ( من يحيي العظام وهي رميم ) * أي : هل أحد يحييها ؟ استفهام إنكار ، أي : لا أحد يحييها بعدما بيليت وتلاشت . هذا وجه الشبهة والمثل ، وهو أن هذا أمر في غاية البعد على ما يعهد من قدرة البشر . وهذا القول الذي صدر من هذا الإنسان ، غفلة منه ، ونسيان لابتداء خلقه . فلو فطن لخلقه ، بعد أن لم يكن شيئا مذكورا فوجد عيانا ، لم يضرب هذا المثل . فأجاب تعالى عن هذا الاستبعاد ، بجواب شاف كاف فقال : * ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ) * وهذا بمجرد تصوره ، يعلم به علما يقينا لا شبهة فيه ، أن الذي أنشأها أول مرة